ذكريات لها إيقاع 

     على أبو بكر محمد                                                                            

تجمعت ركام من السحب كالأمس وتلبد الغيوم فوق سماء القرية فحجبت قرص الشمس وهو في رابعة النهار .. وها هـم العائدون مـن صلاة الجمعة هموا بالعودة سريعا دون أن يبقـوا فـي مجـلس الثـرثرة حتى العصـر كـالعادة خشية أن تهطـل عليهم المطر في الطريق .. الصمت مـطبق في كـون هـذه القرية الوادعة فلا تسمع همسا .. أغصان النخيل وأوراق الـشـجـر بـلا حـراك .. صـيــاح الــديــوك وزقـزقــة العصافير الآبية لأوكارها على الغصون تسـمع مـن النخيـل المطلة عـلى الضفـة الشرقية وكأنها تشكـو مـن غـروب الشمـس مبكـرا قبـل أن يمتلأ بـطـونها صفحة النيل ساكنة في صفائها كمرآة بلورية ترى فيها سحب السماء المائجة .  يقطع هذا الصمت أصوات الضفادع التي تنبعث من أطـراف الجـروف هـنا وهـناك كـأنها تـعلن الغروب حقيقة دون ظهور الأنجم في السماء . وهـكـذا بـات الجميع يسبـح بحمـده بلغـته وحواسه معبرا عن هـذا الصمت والجـو البـديع عـدا الإنسان الذي يقـوده عـلم المعـرفة بظاهر الأمور فيقول إنه جو الخريف والصمت الذي يسبـق العاصفة ... وما في غيب الـرحمن أعظـم . فهـو الـذي يـرينا البـرق خـوفـا وطمعـا . ولـه تـصريـف الـريـاح والـسحـاب المسخر بين السماء والأرض لآية لقوم يعقلون .

سفـريات شالنيتود مـن السجانة لتنرى المحس كـل خـميس وبالعـودة كـل أحـد عـساك ما انـدهشت من هذه القفزة الغريبة في المـوضوع فأقـول بـل يقـول المسافـر لا تنـدهش فهـذا هو خيال كل مسافر على باص الأحد مـن القـرية بعـد أن أمضى إجازتـه بين رحـاب الأهـل والعـشيـرة ... وهـو يحمـل في حنايـا الـذاكـرة مـنـذ الآن هـم الفـراق وصـورا مـن مشهد الوداع وقد مرت عليه الأيام مر السحـاب ونجـد في مشاعـر العـريس محمد ووجـدانـه تـأثيـرا أكبر من غيره وهـو يحكى ويروي لنا قصة غيابه واغترابه لفترة عشر سنوات ثم العودة والزواج من عروسه الـذي اختارها قبـل السفـر وبقـي مرتبـطا بهـا طيلة الـمـدة مـوصـولا بـهـا عبـر الـرسائـل والاتـصـالات وإرسال الهـدايا مـن حيـن لآخـر . لـم تتسع مساحة الأوراق لتسجيل كـل ما حكـاه ورواه لذا أضعها في نـقـاط غيـر مـفصلة ... وذلـك بـدا بسـرور عـودتـه ونزولـه مـن الباص .. مـرورا بخطـوات الاستـقبال والـزغـاريــد حـتى مـراســم الـعـرس نـزول الـبحـر بالـزغـاريـد أغـانـي السيـرة .. وكـل مـا هـو مرتبط بـواجب المناسبة ولازم العـرس والعروس لم يفرط في سـردها شئ من وإلى أن قال والآن حان مـوعد السفـر والعـودة لديار الغـربة القاسية .. قلت وماذا عن ليلة السفر قال : عند الغـروب وقفـت أنظـر لمغيب قـرص الشـمس وهـي تتـواري رويدا رويـدا خلـف الجبال وباكتمال مغيبها سـقطت مني دمعتان دون أن تـلامس خداي فقـلت شـمس لا أري مغيبها  ثـانية مـن هذا المكان إلا إذا قدر اللـه العمـر بالعـودة .. وبـحلـول الـمساء تجـمع الـصبية والشـابات والـكبار فـي دعـوة شـبه تلقائية لتناول طعام العشاء فتناول الحضور .. فيما اعتـذر البـعـض بأنـه تعـشى قبـل أن يـأتـي .. وبـدا الـصـبيـة مـتحركـين دخـولا وخـروجا .. فيما جلس البعض على المصطبة تحـت الضـوء يكتب الرسائل وآخرون بالداخل يسجلـون الكاسيت ولا يخفى على العابر بهم إذ يسمع صوت العتاب للمرسل إليه .. وهكـذا سـرى اللـيل حـتى سـطع القمر المنير بازغا نـوره الـمتلألئ فـي كـبد السماء وكـأنه يذكرني بأن الليلة ليست كـالأمـس .. عـنـدهـا تـمنيت والحـديـث للعـريس أن ينصرف الشباب دون إحراج .. ولكنهم لا يفعلـون فهـي طقـوس اجـتماع ليلـة السفـر . أما الكبار فقـد انصـرفـوا واسـتأذنـوا مبكـرين عـلى أن يكـون اللقـاء بجـوار الـباص صباحـا .. أمـا النسوة القـادمـات خصيـصا لمجاملة القربى في الوداع من الأرحـام فجـلسن بعـد الونسة في حيرة المبيت عند الجيران .. والجيران بالطبع مشغولون بإعداد لازم الـزاد وتـرتيب حـفظه بعيدا عن ذاك الكديس الجاير الرابض فوق حافـة السقف .. وعيون الجميع تنظر وتـراقب مـدى مشقـة وانشغال وانهماك ست البيت ( العـروس ) .. وقـد ذهـبـت بـعـض خـضاب حـنتها بفعـل الـغسيـل وكـثـرة الأعـمـال طيلة الليل والنهار وعلى الرغم من المساعدة مـن أخواتها والزائرات فهـي تـأبي أن تجـلس وترتاح ولا تفصح عن تعبها كـأنـها تـود أن تــثـبـت لـلـعـريـس أنـهـا عـلى قـدر الـمـســؤولـيـة فـي كـل الأحـوال . وإلـى هــنـا بـات انصراف الجميع لزاما بـصـرف الـنـظـر عـن بـقـاء الشابات اللائى عليهن القيام مبكرا لإعداد الشاي .. وتجهيز الزاد .. وها هو الخيط الأبيض من الأسود من الفجر قد انقشع وسطعت نجمة الفجر وصاحت الديـوك فـي كـل بيت وما هي إلا ساعات قلائل من ذلـك .. وجـاء صـوت الباص مـدويا وأنغـام البوري متواصلا . ومع أنه كان حنينا عند حضوري أصبح عـنـد سـفـري فـي أذنـي حـزيـنـا .. ولـعـلي أصـبـت بالإربـاك منذ أن تم رفع الشنطة وكرتونة الزاد إلى سقـف الباص وكـأن عـجـالـة السـائـق بـعـدم إطفاء المحرك وتكرار البوري جعلت مصافـحتي ووداعي للـجميع مـستحـيلا وهـم ينظـرون فـي وجـهـي وأنا أغالب الدموع مـن تحـت نـظارتي السـوداء .. التي مـن خـلالها أرسـلت نظـرة حـانية للزوجة فنظرتها وهي تختبئ خلف المودعات إلا أنها رمقتني بنظرة حانيـة فـلـوحـت بكـلتا يـداي مـودعـا للـجميـع وهـم بالدموع يرددون :   هيـر إن جـو نورا  وداعا .. مليرون مسكاجلو  أرن جو كجـو نـو كـرى .. يا رب ... إدن أكـاجـكـو مليك قرأن إدد كليك سلامجي ..

 

  

 

 

رجوع