شخصيات من عمارة
 

عبد الرحيم خليل    

حسن السيد محمد نور 

   
 

خليل عثمان خليل همد    


المرحوم  / خليل عثمان خليل (أرابه ):

الحمد لله شرح صدر عباده المؤمنين، وألهمهم الصدق والإخلاص في العمل، وبعد، فلكي تمعن النظر في تراجم الرجال، وتسرح الطرف في تاريخ حياتهم، ولتقف على مواقف فريدة، وأعمال نبيلة مشرقة، ومشرفة هادية لكل مخلص شريف من هؤلاء الذين صنعوا المجد لبلدة عمارة التي ولد فيها صاحب هذه السيرة العطرة الذي يعد نموجاً من أولئك الرجال الأفذاذ، نسطر سيرة مبسطة عن حياته المليئة بالعبر والمواقف.
الاسم : خليل عثمان خليل همد حسن كاشف
الكنية : خليل أرابه
المولد والمنشأ
ولد في قرية عمارة عام 1901 م، و توفى صبيحة الجمعة 26/1/1991 م، بعد حياة حافلة عاشها في بلدة عمارة المشهورة في حقب التاريخ النوبي بكنوزها من الآثار العظيمة، حيث كانت مقراً لإحدى الأسر الفرعونية الممتدة لرمسيس الثاني، ومركزًا إداريًا في عهد تحتمس الثالث، كما دَون في كتب التاريخ، وخريطة المواقع النوبية القديمة (ومازالت اّثارات أبو كنيسة غرب عمارة شاهدة على ذلك)، كما كان لقياداتها المشهورة عبر التاريخ المعاصر دور كبير في المنطقة، والمركز في وادي حلفا، بل امتدت سيرتها، وتجاوزت الآّفاق حتى وصلت إلى المديرية في الدامر، وتعدتها إلى العاصمة الخرطوم حتى أفرد لها المرحوم حسن دفع الله جزءاً من كتابه في التحدث عن رجال عمارة ووصف ثورتهم الشعبية .
والده عثمان خليل همد ووالدته فاطمة محمد مالك كاشف( يرحمهما الله ) عاشا وتوفيا في القرية في حلة جديد وسولن. ويأتي ترتيبه الثاني في الأولاد بعد المرحوم حسن عثمان خليل، وأخواته الشقيقات نفيسة وهجرة وسكينة وعائشة ( يرحمهن الله ) .
ترعرع بمسقط رأسه عمارة واشتهر وسط أقرانه بالشجاعة والذكاء والكرم منذ الصغر، وتعلم القراّن والكتابة والقراءة في خلوة القرية (الكتاتيب ).
تزوج من زينب حسين ( رحمها الله ) وأنجب منها ثلاث بنات (سعيدة فريال وقمر )، ثم تزوج من عائشة أحمد فضل (أطال الله عمرها ) وأنجب منها ( محمد وصبري وفاطمة وناريمان ) .
الهجرة إلى مصر :
هاجر إلى مصر الشقيقة طلبا للعمل، وقد بلغ من العمر ثمانية عشـر عامًا، واستقر به المقام في الإسكندرية (عروس البحر الأبيض )، وعمل مع رجل أعمال (خواجـه ) يدعى ترافتيـس صاحب شركة (T.G.S.Traftis Brothers )في منطقة وابور الموية وكان من ضمن رفقائه العم محمد عبد الحليم والعم محمد طه فرح (رحمهما الله ) وقد استفاد من عمله مع الخواجات حيث زار بعض الدول الأوربية مثل اليونان وتعلم بعض اللغات مثل الإغريقية التي يجيد التحدث بها، وبعض الجمل من الإنجليزية والفرنسية مثل الكثير من أقرانه من شباب عمارة في ذلك الوقت الذين كانوا يتحدثون بعض اللغات الأجنبية بطلاقة اكتسبوها من خلال عملهم مع الخواجات، وترحالهم معهم في أنحاء المعمورة.
نشاطه الاجتماعي :
في فترة من إقامته بالإسكندرية فتح مقهى في العطارين كان منتدى لكل شباب عمارة يتجمعون فيه، وملتقى للنوبيين السودانيين والمصريين حيث كانت تربطه صلات وثيقة بمعظم أهالي أبو سمبل وبلانة وعنيبة، وله صلة قرابة بعائلة كبارة في أبوسمبل، وعائلة قورتي في عنيبة، وعائلة وردياب في قسطل، مما مكنه في أن يكون من المؤسسين لجمعية النهضة النوبية الخيرية وعضو نشط فيها ، وهذه الجمعية كانت نشطة في مجال العون الإنساني للمحتاجين من أبناء النوبة، وفي توفير فرص العمل للعاطلين، وكانت أعظم رسالة لهذه الجمعية هي نشر التعليم في جميع مراحله على امتداد القرى النوبية حيث أنشأت مدرسة النهضة النوبية التي كانت تضم مدرسة ابتدائية وثانوية، ومن خريجيها الأوائل الأعمام دهب عبد الحليم، وحسن حسين حسن، وكان عمنا محمد أبايزيد أستاذا فيها وقد تعلم الرعيل الأول من متعلمي عمارة فيها ومنهم المهندس عكاشة أحمد علي والمهندس محمد عبد الله سيدون والمهندس فتحي محمد عبد الحليم والأستاذ محمد حسن سليمان حسن (كبر ) وقد قدمت الجمعية الكثير في هذا المجال حيث كانت تعين من لم تسعفه الظروف المادية من أبنائها على إكمال مراحله، وكان لهم إسهام كبير في تعليم النشء والقضاء على الأمية والجهل ليصنعوا رجال علم نتباهى بهم.
ومن الأعمال الجليلة التي قاموا بها المساهمة بالجهد والمال وجمع المساهمات والتبرعات لقيام مشروع عبري التعاوني الزراعي الذي كان نصيب أهالي عمارة فيها الدور الكبير والحصة الكبيرة بجانب مع النوبة المصرية بفضل الدور الذي لعبه أبناء عمارة وكان للمرحوم نصيب كبير في ذلك ، وبقيام مشروع عبري الزراعي تمكن أهالي عمارة من استصلاح أرض المطار الواقعة على امتداد المشروع من الشمال، والذي أدى إلى زيادة الرقعة الزراعية وزيادة دخل المزارع، والمساهمة في الاستقرار والطمأنينة لدى سكان المنطقة على امتداد المشروع.
وكان نشاط أبناء عمارة الاجتماعي في تلك الفترة مميزا وعلاقاتهم ممتدة حيث كانوا أعضاء في النادي السوداني في الأزريطة والتي كانت تضم السودانيين كلهم وكان المرحوم ومجموعة من أبناء عمارة نذكر منهم المرحوم علي خليل (غريقي ) والمرحوم مصطفى حامد من مؤسسي نادي شمال السودان في شارع محرم بك والذي كان يضم في عضويته النوبيين المصريين والسودانيين .
وكان المرحوم كثير الاسفار بين الاسكندرية والقاهرة والقرى النوبية وعمارة، وكان يحكي أنه سافر ذات مرة ومعه أكثر من عشرة أولاد صغار بينهم (داؤود أحمد داؤود ) يحرسهم ويسهر عليهم حتى سلمهم إلى ذويهم في مصر، وكان يذكر ذلك رحمه الله كلما اشتد النقاش مع العم داود للدلالة على أنه ولي أمره.
العودة إلى قرية عمارة
عاد المرحوم إلى مسقط رأسه عمارة في عام 1952 م، بعد اغتراب امتد ثلاثين عاماً قضاها في مصر، بذل فيها كل جهده لخدمة القرية وأبنائها من المهجر، حيث قدم بعون الله وتوفيقه ما يستطيع في حدود إمكانياته، ومن خلال ما اكتسبه من معارف وأصدقاء طول فترة وجوده هناك.
ورجع إلى القرية ليكمل مشواره للمشاركة مع أبنائها المقيمين في تطوير وتنمية القرية، وكان الهم الشاغل لرجال القرية في تلك الفترة السعي إلى بناء مدرسة في عمارة؛ لأن فرص التعليم كانت ضيقة، مما جعل الكثيرين من أبناء القرية يفقدون هذه الفرصة، بل إن البعض من النابغين منهم لم يتمكنوا من مواصلة تعليمهم فهجروه قسراً، وهاجر البعض منهم من القرية طلبًا للعلم خارجها، إما بسبب السياسة القائمة في ذلك الوقت في نواحي القبول بالمدارس والدا خليات، أو نتيجة ضيق ذات اليد لآبائهم للسير في مشوار تعليم أبنائهم الذين لم تمكنهم ظروفهم المادية من تحقيق هذه الغاية النبيلة. ولكل ذلك كان للفقيد دور بارز في تأسيس مدرسة عمارة الصغرى عام 1954م، مع رجالات القرية المقيمين والمغتربين حتى صارت المدرسة جامعة تستوعب طلاب القرى المجاورة.
مجالات العمل في القرية و السياسة
كان للفقيد مواقف كثيرة في مجال العمل العام اتسمت بالشجاعة والصمود من أجل الانتصار لمبادئه التي لم يكن يحيد عنها مهما اختلف نهجه مع العامة، وكان يعمل بكل قوة ليل نهار من أجل تحقيقه، وكانت له رؤى ثاقبة في قراءة المستقبل والتخطيط له، وبحكم علاقاته الواسعة، وشهرته كان يقصده معظم المرشحين في الدائرة، مما مكنه أن يكون خير معين للسياسي المرموق محمد توفيق (رحمه الله ) في الانتخابات ضد محمد نور الدين في أوائل الاستقلال، وكان مع الشعبيين ضد الختمية، وقائدا لثورته، مما جعل حسن دفع الله يذكره في كتابه، ويصف مواقفه الصلبة في أثناء الثورة بالشجاعة والقوة. وقد امتدت صلاته بمحمد توفيق ردحا من الزمن.
كما وقف مناصراً للدكتور محي الدين صابر (أول وزير تربية وتعليم في عهد النميري ) في الانتخابات وكان هو الوحيد الذي وقف معه في عمارة؛ لأنه كان مرشح المحس وقد صدقت رؤيته في فوز مرشحه، وقد وصفه الدكتور محي الدين صابر في كلمة له بأنه رجل حَر وصاحب المهمات الصعبة.
كان ضمن ممن وقعوا اتفاقية المصالحة الوطنية مع رجال الإدارة الأهلية سنة 1961 م، والتي بموجبها تم التنازل عن جميع الأراضي في الجزر لصالح جميع أفراد الشعب من العامة ( وظل هذا المستند محتفظ به في دولابه للتاريخ دون حذف أو إضافة، كما هو موضح فيه قطع الأراضي الموزعة وأصحابها وحدودها على الرغم من مرور السنين)، ولقد كان لهذه الاتفاقية وقع السحر في وحدة أبناء القرية، كما حقق الأمل الكبير الذي طالما تطلع إليه المواطنون، فقد أعيد توزيع الأراضي الصالحة للزراعة بالجزر بما يضمن عدالة اجتماعية لصالح الجميع، وبما يمكنهم من دخول الجزر بحرية والاستفادة منها بعد أن كانت حكراً على فئة قليلة من الناس.
عمل شيخا لقرية عمارة بين عامي 1960 م _1964 م، واتصف خلالها بالنزاهة والحكمة والإنصاف والعدالة في الحكم مستندًا على معرفته الدقيقة في مجال الأراضي والأنساب، والدراية التامة بتعداد النخيل والخراج، ونسب توزيع الغلة، وحدود الأراضي المزروعة، وتوزيعات الجروف والسبلوقة والقصبة والسواقي، وإطلاعه الواسع على تاريخ القرية بصورة كاملة من تاريخ الهجرة الأولى للأهالي أيام الثورة المهدية ومجاعة سنة 1306 هـ، وعودتهم مرة أخرى للقرية؛ مما مكنه من أداء عمله بكل نزاهة ويجعله مرجعًا مهمًا في كل صغيرة وكبيرة في هذا المجال، إذ برع في فض الكثير من المنازعات المحلية بالمستندات التي كان يحتفظ بها في صندوق خاص يعرف مكانها بداخله بالذاكرة فقط ، وأيضا بذاكرته القوية في تذكر المواقف التي مضى عليها وذكائه الحاد في تذكر المواقف، وحفظ كل صغيرة وكبيرة توثق أقواله، وتدعمه كان رحمه الله يحل الكثير منا الإشكاليات ؛ مما أكسبه ود واحترام الجميع وأكسبه أيضًا مكانة عظيمة بينهم خاصة وقد كان رحمه الله شجاعًا في قول الحق لا يخاف فيه لومة لائم ومن شعاراته التي ظل يرددها ( العمر معدود والرزق مقسوم وجبن ليه ). ومازال بعض الكلمات والجمل التي كان يرددها في الاجتماعات وفي مطعمه بسوق عبري ترن في الآذان، وكل شبر في المنطقة يذكر تاريخه الحافل بالتضحيات بالامتنان، ويذكر مشاطرته لكل الناس أفراحهم وأتراحهم بالخير ويذكر وجهه المضيء، بالود وهو يضيء بالود نفسه طريق الناس بقلبه الرحيم الذي يأخذ بيد الضعيف والمظلوم إلى أن يأخذ حقه.
هذا اجتهاد في توثيق لمحات يسيرة عابرة من حياة المرحوم خليل عثمان أرابا، وفي التفاصيل الدقيقة التي يعجز المرء عن وصفه يتجلى فيها الكثير من المواقف التي لا توصف خاصة، وقد عايشها الكثير من أبناء القرية، وحديثه في شريط كارثة الفيضانات التي اجتاحت القرية عام 1988 تحكي عن بعض من همومه واهتماماته . نسأل الله له الرحمة والمغفرة .

- صبري خليل عثمان خليل
- صلاح محمد فضل مالك
 

رجوع