عن عمارة :

بقلم العم جمال علي خليل :


بسم الله الرحمن الرحيم وبه نستعين
نصلى ونسلم على أشرف المرسلين سيدنا ومولانا محمد عليه أفضل الصلاة والسلام وبعد،،

طلب مني الابن عوض حسن أحمد الزين أن أسجل له نبذة عن تاريخ قرية عمارة وفي الحقيقة ترددت كثيرا قبل أن أقوم بهذه المسؤولية، وذلك لسببين: الأول لأن هناك من هم أدرى مني بحكم وجودهم الدائم في القرية، والثاني لأنني تغيبت عن القرية فترات طويلة ومرات عديدة لسفري إلى مصر، وادي حلفا، دلقو، وشندي، وأخيرا قبلت القيام بهذه المهمة الصعبة وأن أسجل ما رأيته وما سمعته من كبار السن وما عايشته منذ أن بلغت من العمر سبع سنوات ، حيث التحقت بخلوة الشيخ صالح ـ رحمه الله ـ وذلك في مسجد عمارة ( مسجد الحاج وهبي ) وذلك لقراءة القرآن الكريم وأيضا بخلوة المرحوم إبراهيم وهبي وسنتحدث في هذا الموضوع إن شاء الله عند الحديث عن الخلوة ودورها في التعليم

سبل كسب المعيشة:

كان الجميع يعملون في الزراعة رجالا ونساء، عن طريق السواقي، وعند انحسار النيل يقومون بزراعة الجروف (السلاليك)

وزراعة السواقي كانت عملية شاقة وعذابا وسخرة، ممكن أن تقوم عنهم إنهم (المعذبون في الأرض) دون مبالغة، ولكن لم يكن أمامهم إلا هذه الطريقة، وغير هذه الحرفة، إذ كان جميعهم أميين لا يعرفون القراءة والكتابة وكانت هذه نتيجة سياسة المستعمر الإنجليزي في السودان عامة

والسواقي نوعان، سواقي بحرية وأخرى آبار سطحية (مترات)، واقصد بالسواقي البحرية تلك التي تسحب المياه من النيل مباشرة، وهذه السواقي كانت إدارتها وصيانتها عملية شاقة، حيث يتراكم الطمي بكميات كبيرة في المجري الطويل الذي يربط البئر بالنيل، وكانت عملية إزالة الطمي عند انحسار النيل في نوفمبر حتى فبراير ـ وهي شهور الشتاء القارس ـ من كل عام صعبة جدا وشاقة

أما سواقي المترات ( الآبار السطحية ) فتنظف مرة أو مرتين في السنة من الرواسب التي تتراكم فيها نتيجة العوامل الطبيعية

معلومة ظريفة :

أصحاب هذه السواقي ـ الآبار ـ كانوا يصطادون نوعاً من السمك عند قيام النيل ويلقونها في البئر، واسمها بالرطانة ( كُور) واعتقد أن اسمها بالعربية ( القرموط ) وهذا النوع من السمك كان ومازال أغلب الناس لا يأكلونه بحجة أنها تحيض مثل الحريم

وخاصية هذه السمكة في أنها تأكل الرواسب والذرات ، فضلا عن أنها تكون في حركة دائبة وسريعة ، ما يساعد في فتح العيون التي تغذي البئر بالمياه

وموقع هذه السواقي (الآبار السطحية) يبدأ من ساقية صالحين بدري في كرسين ويتجه جنوبا حتى عمار كنج، أما السواقي البحرية تبدأ من شمال القرية ساقية خيري سليمان حتى الساقية 31 سابنتون

ومن المعروف أن المياه السطحية معدومة بالمرة أو قليلة لا تكفي للزراعة شمال كرسين

أنواع الزروع :

في الشتاء ومن بداية شهر نوفمبر تحضر البذور الشتوية مثل الفول المصري، الشعير والقمح وجميع أنواع الخضراوات مثل البامية، الملوخية، البصل، الثوم، الكسبرة، والكمون وخلافه وبكميات محدودة للاستهلاك المنزلي، وعندما تستوي الخضراوات يقوم المزارعون بتوزيع باكورة الإنتاج لجميع الجيران الذين ليس لديهم الخضـراوات ولا يزرعونها، فيقومون بتوزيعها ويسمونها ( الأير) ، وهي من العادات الحسنة التي يتمسكون بها مراعاة لحق الجار

وكما ذكرت من قبل تبدأ الزراعة الشتوية في نوفمبر من كل عام، الفول المصري أولا ثم يليها الشعير ثم القمح وكانوا يهتمون بزراعة الشعير لأنه يستوي قبل القمح بأكثر من شهر ثم يحصدونها ويأكلون منها حتى حصاد القمح

ولما كان ( الكيماوي ) غير معروف في ذلك الوقت كانوا يجمعون روث البهائم من مرابط الحيوانات طوال النهار لزيادة الإنتاج ويسمونها ( الماروق ) ، أما الزراعة الصيفية ـ أو كما يسمونها ( الدميري ) كانت الذرة البلدي ثم السمسم ويتم حصادها في أواخر أكتوبر ويعصرونها زيتا في العصارات البلدية، هذه العصارات لا توجد إلا في قريتي حميد وأبو راقة وجزيرة أرنتى

وموسم الدميرة في الماضي أيام طفولتنا كان يعتبر عيدا ومهرجانا كبيرا كنا ننتظرها بفارغ الصبر يحتفل بها الجميع من أهل القرية كبيرهم وصغيرهم ويقضون يومهم من الصباح حتى المساء على شاطئ النيل وتحت ظلال النخيل ويأكلون ما لذ وطاب من رطب الجاو والقنديلة والبركاوي وأصنافا أخرى والحريم يتجمعن أيضا تحت ظلال النخيل ويقمن بصنع البروش والأطباق من سعف النخيل وبأشكال جميلة ومختلفة

أما الأطفال والشباب فكانوا يلعبون ويمرحون طوال اليوم ويعومون في النيل ويتعلمون الغطس من أعلى أشجار السنط الذي كان يكثر في الشاطئ وكان كبارهم يعلمون الصغار العوم وعندما يتعبوا من اللعب والغطس والجـري ينقسمـون إلى مجموعتين كل مجموعة ضد الأخرى يلعبون لعبة اسمها ( تاب ) وتتكون اللعبة من أربعة قطعات من جريد النخلة بطول 30 سم ثم يحفرون في الأرض 24 حفرة صغيرة متساوية ، هذه اللعبة تشبه لعبة السيجة، وهذه اللعبة انقرضت تماما والجيل الحالي لا يعرف عنها شيئا هكذا كنا وهكذا كان يعيش أهل القرية في العشرينيات والثلاثنيات من القرن الماضي

التعليم:

لم يكن هناك تعليم بالمفهوم الذي نعرفه اليوم، إنما كان هناك تعليم الخلوة وهذا النظام كان يطبق في جميع قرى السكوت تقريبا

وفي 1930 ذهبت لخلوة الشيخ صالح ـ رحمه الله ـ وخلوة إبراهيم وهبي ـ رحمه الله ـ وذلك لحفظ القرآن الكريم في مسجد عمارة ( مسجد الحاج وهبي ) ـ رحمه الله وطريقة الدرس في المسجد أن تجلس على الأرض في شكل حلقات والشيخ يجلس وسط الحلقة، ويتابع الجميع عند القراءة، وإذا أخطأ أحدهم يصحح له رغم أن الجميع كانوا يقرأون في آن واحد وسورا مختلفة، وكان ـ رحمه الله حافظا للقرآن الكريم عن ظهر قلب ويتلو تلاوة صحيحة وبلغة عربية سليمة رغم أنه كان لا يعرف العربية إطلاقا لدرجة أنه كان لا يمكنه التفاهم بالعربية مع أي شخص آخر بأكثر من ثلاث كلمات

وكان يبدأ الدرس الساعة السابعة إلى العاشرة، وبعدها نذهب للشيخ إبراهيم وهبي ـ رحمه الله ـ ويستمر الدرس حوالي ساعة، والدرس في خلوة إبراهيم وهبي عبارة عن إملاء وشيء من الحساب جمع وطرح وقسمة وكان يأخذ مرتبا شهريا قدره 75 قرشا من قبل الحكومة

أما الشيخ صالح فكان يأخذ من كل ساقية مقدار قيراط أو قيراطين ـ لا أذكر ـ من القمح في الشتوي ومثله من الذرة في الصيفي هكذا كان التعليم والتعلم في قرية عمارة في ذلك الزمن البعيد، وتحديدا في بداية الثلاثينيات

وقبل أن اختم موضوع التعليم لا بد لي من أن أذكر هنا أنه كان يرسل بعض المبرزين في الخلوة إلى مدرسة عبري الأولية ويتم اختبارهم بواسطة مدرسي عبري، ومن كان مستواه معقولا يقبلونه في الفصل الثاني وإلا في الفصل الأول والمدرسة في ذلك كانت مكونة من أربع فصول: أولى، ثانية، ثالثة، ورابعة

ومن الذين تم قبولهم في عبري في ذلك الوقت ـ 1933، هم: محمد خليل حاج، المرحوم محمد وهبي حسن، شيخ الدين عثمان، عبد الوهاب، ومحمد فضل مالك

وفي 1934 ـ على ما أذكر ـ تم قبولي أنا والمرحوم عثمان محمد عثمان شريف وكنا نذهب بالركائب ( الحمير) يوميا، واستمر الحال بهذه الطريقة سنتين تقريبا، وتصدق بفتح داخلية لاستيعاب طلبة المناطق البعيدة من عكاشة إلى أشمتو على أن يساهم الطالب بقيراط قمح مطحون شهريا

وكان يتم القبول في الداخلية بواسطة لجنة مكونة برئاسة العمدة والمشايخ وبعض الشخصيات ومحاسيب السلطة المحلية، وتم قبولي وعثمان شريف بالداخلية وتم إعفائي من قيراط القمح لأنني يتيم ويرجع الفضل في ذلك إلى العمدة عبد الرحمن حسن ـ رحمه الله رحمة واسعة أعتقد أنني خرجت من الموضوع وأصبحت سيرة ذاتية لشخصي

وفي 1938م تركت المدرسة وسافرت إلى مصر ( إسكندرية ) ووجدت ثلث مواطني عمارة فيها، وأغلبهم كانوا مع عائلاتهم وعند قيام الحرب العالمية الثانية عام 1939 واشتداد الغارات بالطائرات الإيطالية والألمانية ودك نصف الإسكندرية ومات الناس بالمئات رجع الجميع إلى البلد، حتى أهالي الإسكندرية هاجروا إلى الأرياف خوفا من الغارات إلا القليل

أما أنا فقد بقيت فيها حتى يوليو عام 1942 ولما وصلت القوات الألمانية إلى العلمين ضواحي الإسكندرية سافرت إلى القاهرة ومكثت فيها حتى يوليو 1943، ثم سافرت إلى البلد

ويا هول ما وجدت وجدت القرية والناس في حالة سيئة للغاية ضنك وجوع انعدام كل شيء، وإن وجد لا يصرف إلا بواسطة العمدة السكر، الشاي، والعيش في التموين حتي الذرة الفتريتة، وهي أردأ أنواع الذرة، توزع بالقيراط والقيراطين بواسطة العمدة، والأقمشة كانت معدومة بالمرة، لدرجة أن الحريم كن يفتشن على الدمورية وإن وجدت يصبغنها بألوان مختلفة ويلبسنها، حتى الكفن >السترة< من الدبلان كان معدوما وإن وجد في التموين وما عليك إلا أن تذهب للعمدة وتأخذ التصديق ثم تذهب لعبري لدكان آل بدر وآل محجوب لأن جميع المواد التموينية كان عندهم ولا يستطيعون التصرف إلا بواسطة العمدة

وقيل في ذلك الوقت إن المواد التموينية الخاصة بقرية عمارة والقرى الأخرى من السكوت تباع في منطقة المحس ـ والله أعلم بالحقيقة وفي ذلك الوقت هاجر الكثيرون من البلد وتركوا السواقي والزراعة للعمل في معسكرات الجيش الأمريكي والإنجليزي إلى أن انتهت الحرب عام 1945

وكان أهلنا في الإسكندرية يجتمعون في المقاهي للعب الورق واستمروا على ذلك حتى نهاية الثلاثينيات وأواخر الأربعينيات

وقد يقول قائل إننا طلبنا منك التكلم عن قرية عمارة وليس عن الإسكندرية ، فأقول له إنني أعد الإسكندرية جزءا من عمارة لأن نصف أهالي عمارة كانوا يعيشون في الإسكندرية، وكذلك لأن أهلنا في الإسكندرية لعبوا دورا كبيرا في تطوير القرية فيما بعد

ولكن في الخمسينيات تحسن الوضع قليلا، خاصة بعد قيام ثورة يوليو 1952 بقيادة محمد نجيب وبدأ أهلنا يفكرون فيما آل إليه وضعهم في مصر وأن لهم وطنا اسمه السودان يحتاج إليهم وإلى سواعدهم وأنهم مهما كانوا أجانب في مصر، فقاموا بنشاط ملموس، فاشتركت الغالبية من الشباب في نادي الاتحاد السوداني والتحق الكثيرون منهم بفصول محو الأمية والمدارس الليلية والكشافة وخلافه، وتركوا لعب الورق وغيره

وأثناء ذلك فكروا في عمل شيء يفيد البلد وأنهم مستعدون ماديا وعندما وجدنا الضوء الأخضر ـ كما يقولون ـ من أولادنا في الإسكندرية عقدنا عدة اجتماعات وتناقشنا لتحديد الشيء المهم الذي تحتاج إليه القرية وبعد دراسة استقر الرأي على أن يطالبوا الجهات المسؤولة بفتح مدرسة ، وكونا لجنة من المواطنين في البلد برئاسة المرحوم حسن السيد محمد نور، وبعد عدة اتصالات بمفتش التعليم في وادي حلفا ثم في الدامر رئاسة المديرية الشمالية في ذلك الوقت، تكللت المساعي بالنجاح وتصدق لنا بمدرسة صغرى وبشروط، هي:

أولا: أن تبنى المدرسة والداخلية على نفقة الأهالي

ثانيا: أن تجهز المدرسة تجهيزا كاملا من كراسي التلاميذ، تحت، دواليب ومكاتب الناظر والمدرسين

ثالثا:أن تكون هذه المدرسة مشتركة لقرى عطب، جنس، وغرب كوشة

فقبلنا بكل هذه الشروط وأخطرنا لجنة الإسكندرية بذلك، فبدأوا إرسال النقود وشرعنا في البناء بعد تحديد الموقع بواسطة المجلس الريفي

وتم تجهيز المعدات من الدواليب وكراسي الجلوس وخلافه بنجاري حلفا بواسطة المرحوم حسن السيد أما الأهالي في البلد فلم يقصروا في شيء، بل ساهموا بكل ما لديهم وبصدر رحب، منهم من كان يتبرع بجوال من البلح أو بجوالين وبالقيراط والقيراطين وبالترمس والجريد والأفلاق للعرش وبكل شيء، بل كان منهم من يقدم الذبيحة للبنائين لتشجيعهم على إنهاء العمل بسرعة، ومنهم من كان يقدم وجبة الفطور أو الغداء بعد كل فترة خاصة الأحياء المجاورة لموقع المدرسة، وهكذا إلى أن تم جميع المباني في زمن وجيز ذلك الصرح الشامخ الذي ترون بقاياه الآن بعد كوارث فيضان وأمطار عام 1988

والجدير بالذكر هنا أنه تم اختيار الأخ دهب عبد المجيد شاهين من لجنة الإسكندرية للعمل مدرسا في المدرسة، وفعلا فقد تم تعيينه بعد مراجعة الشهادة التي يحملها وبعد الاختبار بواسطة مفتش تعليم وادي حلفا وكان ذلك ـ على ما أذكر ـ عام 1955 وكان أول ناظر للمدرسة المرحوم الشيخ دياب عثمان

مدرسة البنات

في 1969 علمنا أن هناك مدرسة بنات مصدقة للمنطقة من الجهات المسؤولة في التربية والتعليم وأن أي قرية لديها مبان لهذا الغرض سيصدقوا لها بتلك المدرسة

وعلم بهذا الموضوع المرحوم حسن السيد محمد نور بحكم علاقاته ومعرفته الشخصية بالمسؤولين في التربية والتعليم، واحتفظنا بهذا السر حتى نستعد ونقوم ببناء الفصول وميز المعلمات وخلافه ولكن بعد فترة وجيزة علم الجميع بأمر المدرسة المصدقة للمنطقة وبدأت القرى المجاورة تسعى للحصول عليها، خاصة أهالي جزيرة أرنتى، فطلب المرحوم حسن السيد اجتماعا عاجلا في منزله وذلك لأعضاء مجلس الآباء وبعض الشخصيات وناقشنا الموضوع من جميع جوانبه، وقال أحدهم وعلى ما أظن كان المرحوم محمد حسن قرناص أن عمه محمد عثمان إدريس لديه منزلا بالقرب من النادي وأن المنزل غير مسكون وممكن استغلاله مدرسة في حال موافقة المرحوم محمد عثمان بذلك

وأذكر أن المرحوم حسن السيد طلب من المجتمعين البقاء حتى يعود من مقابلة المرحوم محمد عثمان، وعندما عاد ضاحكا علمنا أنه تحصل على الموافقة وفي اليوم الثاني مباشرة بدأ العمل في المنزل من لياسة الجدران من الخارج والداخل وفتح شبابيك وأبواب وتركيبها وتعريش الأسقق بالجريدة وتجهيز مرحاض للمعلمات وهكذا تم كل شيء في أقل من أسبوع وبعدها مباشرة اتصل المرحوم حسن السيد بمفتش التعليم في عبري وفي اليوم نفسه تم التصديق وفتحت المدرسة باحتفال حضره ضابط المجلس الريفي ومفتش التعليم، وهذه المدرسة سميت مدرسة حسن السيد الابتدائية بعد وفاته تكريما له رحمه الله رحمة واسعة

رجوع